Pause

تململ الحاج عبد الله وهو يقرأ في جريدته الصباحية المعتادة مع كوب الشاي باللبن ، وبدأ يطالع العناوين العريضة بالجريدة ، وللحظة خيل إليه أنه يقرأ في جريدة اليوم السابق ، ولكنه بعد أن ركز قليلاَ وجد أن التاريخ يشير إلي اليوم ، مضحك كيف تخرج صحفنا بنفس الأخبار كل يوم ، وكيف تعود لتنفي الأخبار التي أوردتها في العناوين داخل الخبر نفسه.



كان يقرأ تحليلاً عبقريا للفوائد الأيجابية التي جناها منتخبنا الوطني من دورة دول حوض النيل عندما حانت منه إلتفاته ليجد إبنته ندي تجلس أمامه تتسي كوب الشاي أيضاً ، فصرخ فيها مستفهماً عن سبب تأخرها في البيت حتي الأن بعد أن كان قد أخبرها أن تغادر مبكراً لتكمل إجراءات إستخراج شهادتها الجامعية.
واصلت ندي تناول الشاي في هدوء من عهد مثل هذا الصراخ مجيبة والدها
- "ناس المنسقية قالو يجوهم بعد نتيجة الأستفتاء".
واصل الحاج عبد الله تقليب جريدته دون أن يرد علي إبنته ، ولكنه واصل ذلك للحظات فقط قبل أن يسألها مجدداً
- " طيب الأدوية بتاعة أمك جبتيها من ناس التأمين؟؟"
أجابته في ملل وهي مشغولة بتقليب محطات التلفاز
- " الدواء دا موقفين إستيرادو لحد بعد الأستفتاء"
مرة أخري لم يرسم الحاج عبد الله أي تعابير علي وجهه ، وكانت هذه عادته عندما يخبره أحد بمعلومة لا يتقبلها عقله ، ثوان مضت وهو ينقب عن خبر يستحق القراءة وهي مهمة شاقة حقاً ، فعاد مجدداً إلى إبنته سائلاً لها:
- " عثمان كمل إجرءات قطعة الأرض ولا لسه"
أجابته دون أن ترفع رأسها من التلفاز
- " بعد الأستفتاء".
وضع الجريدة التي أمامه وتناول أخري وبمعجزة ما لم يلاحظ إختلافاً بينها وبين سابقتها سوي إسم الجريدة ، وبينما كان يحاول عبثا إيجاد خبر جديد سألته إبنته:
- " أبوي ما جددت إشتراك النت مالك ؟؟"
رمي الجريدة علي الطاولة التي أمامه ونهض قبل أن يقول لها وهو يغادر المنزل
- " بعد الأستفتاء".

ولا أظن أن إجراءات ندي الجامعية أو تسجيل قطعة الأرض هي الشئ الوحيد الذي تعطل بسبب الأستفتاء ، فالشعب السوداني خلط بين الحياة الواقعية وألعاب الكمبيوتر وظن أنه من الممكن أن يضع حياته كلها في حالة Pause ويرهن كل شئ بالإعلان عن نتيجة الأستفتاء ، لا أعرف العلاقة بين شراء سيارة أو بناء طابق أضافي أو حتي زرع شجرة أمام المنزل بنتيجة الأستفتاء ولكن يوجد عبقري ما وضع رابطاً عجيباً بين الأستفتاء وكل شئ أخر.
كان الأمر من الممكن أن يكون مفهوماً إلى حد ما لو كان مربوطاً فقط بمؤسسات حكومية معينة ستتاثر تاثيراً مباشراً بهذه النتيجة ولكن أصبح من الممكن أن يوقف صاحب الدكان بيع أقراص الطعمية التي كان يسوقها لجارته بحجة الأستفتاء والغريب أن الجارة المسكينة سوف لن تعترض علي الأطلاق.
أتمني فقط أن لا يتم تمديد حالة الPause لتصبح إلى نهاية الفترة الأنتقالية بدلاً من نتيجة الأستفتاء ، ولكن من معرفتي بالشعب السوداني فهذا هو الأحتمال الأكبر ، فالتوقف عن العمل لم يكن يوما بسبب الأستفتاء بل هو مجرد عذر لعطلة طويلة دون أن يلام أحد أو يتهم بالكسل


تعليقات

  1. رميتني في مقتل ، فكل مستقبلي متوقف على عبارة "بعد الاستفتاء" ....

    ردحذف
  2. والله كلام في محلو يا نعمان .. بيقوليك الإستفتاء ده وقف أي حاجه ..

    لكن بالمناسبة على المستوى الحكومي زاااتو الشغلة دي مٌدوّرة .. هسي زيادة الأسعار في الوقت دا .. بغض النظر عن التبريرات الطلعوها .. ماذا تحوي من باطنها !!؟ ..

    غايتو أنا كمواطن متوّسط الذكاء .. بقول الأسعار دي زادت وقت الإستفتاء .. إذاً الإستفتاء له أثر فيها .. ولا شنو ؟

    ردحذف
  3. أنا لا أنفي أثر الأستفتاء يا عبد اللطيف ولكن أستنكر إستعظامه من الشعب قبل الحكومة حتي أصبح سبباً لتوقف الحياة بالكامل مما سبب مشكلة كبيرة في الأقتصاد بسبب توقف الأعمال التجارية

    ردحذف

إرسال تعليق

شاركني برأيك

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إسقط ولكن قف بعدها !

نعم هنالك مشكلة

صاحب العبائة الوردية