تجربة حياة بأسيا الحقيقية - 4 - كابوس بتروجايا

الساعة : 8:00 صباحاً
أغلقت باب غرفة الفندق خلفي وأنا أضحك علي دعابة قالها لي صديقي أحمد وبدانا الرحلة نحو محطة القطار ، ربما تكون المرة الأولي منذ وصولنا إلي كولالمبور التي نخرج فيها مبكراً هكذا والسبب أننا مضطرين إلي مغادرة كوالالمبور والسفر إلي مدينة بتروجايا التي تضم إدارة الهجرة المخولة تمديد إقاماتنا في ماليزيا.


الساعة : 8:45 صباحاً
وصلنا إلي محطة KL sentral ولم نضع الكثير من الوقت هناك ، إقترحت علي أحمد أن نتناول وجبة سريعة ولكنه أقنعني أننا متخلفين عن جدولنا الزمني ولا يمكننا التأخر أكثر وقد كان محقاً فقمت بقطع التذاكر وسرعان ما كنا منطلقين إلى وجهتنا علي متن القطار السريع KLIA Transit.
الساعة 8:50 صباحاً
هذا القطار يسير بسرعة خرافية فعلاً !!
الساعة 9:10 صباحاً
يا إلهي !!!! للحظة خيل إلي أنني غادرت ماليزيا وأسيا بحالها وهبطت في أحدي الدول الأسكندافية ، تحفة معمارية متكاملة لا يمكن وصفها ، مدينة بتروجايا أو عاصمة ماليزيا الجديدة ، يعني أسمها المدينة الحكومية وقد بنيت خصيصاً لأحتضان كل الهيئات والوزارات بالأضافة للقصر الملكي وربما تكون المدينة الأولي في العالم التي لا تحتوي علي أي نوع من المساكن.
البذخ واضح بشدة علي كل شئ ، المباني التي تتنافس في جمالها ، الجسور التى تربط الجزيرة بما حولها ، الشوراع الواسعة المرصوفة بالسيراميك ، الأشجار المقلمة بعناية ، كل شئ يوحي بأن هنالك من يسهر ليجعل هذا المكان أقرب ما يكون إلي الجنة.
الساعة 9:30 صباحاً
متي وصل كل هولاء الناس إلى هنا ، هل تم إنزالهم بمروحيات أم قضو ليلتهم في هذا المكان ، إن الصف أمامي يوحي بأنه من الممكن أن أقيف فيه حتي الغد ، تبادلنا أنا وأحمد نظرة يأس ووقفنا في الصف الذي يحتوي علي أكثر من خمسين شخصاً
الساعه 9:35 صباحا
الخبر السعيد : لقد وصلنا إلي الشباك بمعجزة ما !!
الخبر السئ : كان هذا شباك سحب الأستمارات فقط وأنا الأن أحمل رقما متسلسلاً يدي يشير إلى 3719
الساعة 9:40 صباحا
نحن واقفين علي أقدامنا منتظرين ظهور رقمنا علي الشاشة ، المهمة عسيرة المتابعة إذ لا تظهر الأرقام في شكل متسلسل بل تظهر بطريقة شبه عشوائية أو بنظام لا نستطيع فهمه علي الأطلاق ، والرقم يظهر علي الشاشة لمدة أقل من عشر ثوان ، إذن علينا التركيز بشدة علي الشاشة وإلا فوتنا دورنا.
الساعة 10:10 صباحاً
لا زلنا ننتظر وأنا أعتقد حقاً أننا فوتنا رقمنا.
الساعة 11:00 صباحاً
أنا الأن متأكد من أننا فوتنا الرقم وأنا جائع بشدة.
الساعة 11:30 صباحاً
أحمد نام في المقعد المجاور وأنا أحاول جاهداً أن ألتقط رقمنا رغم قناعتي التامة بأننا فوتناه.
الساعة 12:15 ظهراً
وأخيراً ظهر !! الرقم 3719 إلي شباك رقم 12 ، يحيا الشباك رقم 12 ، لم تسعنا الفرحة وكدنا أن نصرخ (ياهوووو) لكن وقارنا منعنا من هذا ، عند الشباك جمعت منا بعض البيانات وأمرنا بالأنتظار مجدداً ، صدقني هذا كان أسوأ خبر يمكن أن يخبرني به أحد لحظتها ، عدنا إلي مجلسنا وأتفقنا علي أن يذهب أحمد ويأتي ببعض الطعام ، وما هي إلى خمس دقائق حتي عاد أحمد يجر ذيول الخيبة ، إستنكرت عليه كيف لا يجد مطعماً فأجابني بأنه لا يوجد سكان في هذه المدينة وبالتالي لا طعام !! ، بالطبع لم تقبل معدتي الصارخة مثل هذا العذر الواه ، وخرجت بنفسي علي أمل أن أجد ما عجز أحمد أن يجده وما هي إلا عشر دقائق حتي عدت وجلست جوار أحمد دون أن أقول شيئاً ولكن عيناي كانتا تقولان : " أنا أسف علي التشكيك بك".
الساعة 4:40 عصراً
مرة أخري ظهر الرقم وكان هذه المرة عند الشباك رقم 19 حيث دفعنا الرسوم وعدنا للجلوس.
الساعة 6:30 مساءً
من الواضح أن هنالك تفرقة عنصرية هنا فلم يبقي داخل الصالة سوي حاملي البشرة السوداء وغادر أصحاب البشرة البيضاء وحتي الصفراء منذ أكثر من ساعة.
الساعة 6:40 مساءً
أخيراً إستلمنا جوازتنا ولكن فرحتنا قتلت في مهدها عندما خرجنا إلي الشارع الذي كان أشبه بالخلاء ، لا مارة ولا سيارات ولا أي شئ ، المدينة التي كانت بديعة في الصباح أصبحت مدينة أشباح موحشة في المساء ، باءت كل محاولتنا في العثور علي سيارة أجرة بالفشل فكان لا بد من ايجاد حل عبقري وقد كان ، لم لا نسير حتي الجسر ونقطعه إلي مدينة سايبر جايا وقطعا سنجد سكانا في العمارات التي نرها من مكاننا وبالتالي لا بد من سيارات أجرة في شوراعها.
الساعة 6:55 مساءً
هذا الجسر أبعد مما يبدو.
الساعة 07:25
نحن الأن فوق الجسر ، هذا الجسر يطل علي منظر رائع للجسر والمدينة ولكن أحمد لم يسمح لي بالتوقف والتصوير.
الساعة 07:40
نحن الأن متأكدون من أن قرارنا بالسفر سيراً علي الأقدام إلي سايبر جايا هو واحد من أغبي القرارات في التاريخ ، هذه المدينة الأقتصادية لا تتفق مع المدينة الحكومية سوي في أن كلاهما مدينة أشباح ، هنا توجد سيارات ولكن الشوارع كلها طرق سريعة وأقل سيارة تسير بسرعة لا تقل عن 120 كيلومتر في الساعة. لا خيار  لنا سوي مواصلة السير بغير هدي علي أمل أن نقابل شخصاً.
بعد فترة طويلة من المشي قابلنا رجلاً يقطع الشارع ، ولا أستطيع أن أعبر عن فرحتنا حينها ، سألناه عن الطريقة التي من الممكن أن نصل بها إلأي محطة القطار فأخبرنا أن ننتظر الحافلة بجانب الطريق فوقفنا مكاننا ننتظر الفرج.
بعد أن أضنانا التعب جلست علي طرف الطريق السريع رافضا أن أتحرك وأحمد يضحك علي في هستيرية ، ولكنه سرعان ما توقف و إنضم إلي في الإنتظار ، وبعد أنتظار طويل جاءت الحافلة فتههلت أساريرنا ورحنا نشير لها بجنون ولكن سائق الحافلة لم يحاول حتي التوقف مسبباً خيبة أمل لا توصف.
بمجرد ذهاب الحافلة سمعنا صوت أذان العشاء ، يا الله !!! لا أستطيع أن أصف لكم كم كان جميلاً هذا الصوت ، تتبعناه حتي وصلنا إلي المسجد حيث صليينا وقد نسينا كل المشاكل التي نحن فيها.
الساعة 08:40 مساءً
بعد الصلاة سأل أحمد أحد الأطفال عن كيفية بلوغ كوالالمبور ، الطفل المسكين لم يعرف الجواب فنادي طفلاً أخر يسأله وما هي إلا لحظات وكان أحمد محاطاً بأكثر من عشرة أطفال يحاولون مساعدتنا.
قام أحد الأطفال بمناداة والده الذي تحاور معنا بسرعة ثم قال لنا أن ننتظر ، وذهب يتشاور مع باقي المصليين ، بعدها أتي أحدهم وأخبرنا أنه سيأخذنا إلي المحطة في سيارته ، ثم سألنا عن جنسيتنا وعندما أجبناهم أننا سودانيون أخبرونا وهم مندهشين أننا أول سودانين يقابلونهم في حياتهم.
بعد أن ركبنا السيارة سألني الرجل الذي عرفت لاحقاً أنه زكريا
-"In Sudan you speak Arabic right??"
أجبته بالأيجاب فعاد للحديث مرة أخري ولدهشتي فقد قال لي بعربية ركيكة
- أنا أتحدث العربية ولكني لست جيداً فيها.
ثم حكي لي أنه درس للغة العربية بالجامعه ، وحكي لي عن أمله أن يعيش في بلد عربي في يوم من الأيام وأن يزور الأماكن المقدسة ، كانت من أكثر الأحاديث المحببه إلي نفسي التي خضتها منذ زمن وتذكرت كيف ان المسلمين أخوة لأول مرة منذ أن وصلت إلي ماليزيا.
الساعة 10:30 مساءً
فتحت باب الفندق وأنا أضحك علي إحدي دعابات أحمد وأنا لا أصدق أن الكابوس قد إنتهي.

تعليقات

إرسال تعليق

شاركني برأيك

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إسقط ولكن قف بعدها !

نعم هنالك مشكلة

صاحب العبائة الوردية